الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

211

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الملام - في الدنيا - على أن أخطأ فيما لا يخطئ أهل العلم في مثله . وجملة وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا حالية ، أي إن كنتم اختلفتم فيهم فاللّه قد ردّهم إلى حالهم السوأى ، لأنّ معنى أركس رد إلى الرّكس ، والركس قريب من الرجس . وفي حديث الصحيح في الروث « إنّ هذا ركس » وقيل : معنى أركس نكس ، أي ردّ ردّا شنيعا ، وهو مقارب للأول . وقد جعل اللّه ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها ، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات ، والعمل السيّئ يأتي بمنتهى المعاصي ، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سببا في بلوغ الغايات من جنسه . وقوله : أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ استئناف بياني نشأ عن اللوم والتعجيب الذي في قوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، لأنّ السامعين يترقّبون بيان وجه اللوم ، ويتساءلون عمّا ذا يتخذون نحو هؤلاء المنافقين . وقد دلّ الاستفهام الإنكاري المشوب باللوم على جملة محذوفة هي محلّ الاستئناف البياني ، وتقديرها : إنهم قد أضلّهم اللّه ، أتريدون أن تهدوا من أضلّ اللّه ، بناء على أنّ قوله : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ليس المراد منه أنّه أضلّهم ، بل المراد منه أساء حالهم ، وسوء الحال أمر مجمل يفتقر إلى البيان ، فيكون فصل الجملة فصل الاستئناف . وإن جعلت معنى وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أنّه ردّهم إلى الكفر ، كانت جملة أَ تُرِيدُونَ استئناف ابتدائيا ، ووجه الفصل أنّه إقبال على اللوم والإنكار ، بعد جملة وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ التي هي خبرية ، فالفصل لكمال الانقطاع لاختلاف الغرضين . [ 89 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) الأظهر أنّ ضمير « ودّوا » عائد إلى المنافقين في قوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [ النساء : 88 ] . فضح اللّه هذا الفريق فأعلم المسلمين بأنّهم مضمرون الكفر ، وأنّهم يحاولون ردّ من يستطيعون ردّه من المسلمين إلى الكفر . وعليه فقوله : فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلّا ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس ، ولا